تعداد بازدیدها : 1672
  عنوان مقاله : الكليات المنهجية في الفهم القرآني عند الشهيد الشيرازي ؛ إشكالية الفهم تاريخياً
 نویسنده : جلال ناصر
 موضوع : صفحه اصلی موضوعات (12127) >علوم قرآن(2769)->اصول و مباني فهم قرآن(341)
  آدرس اینترنتی:   http://www.qateefiat.com\qa\rahqarani\kaliat 17.htm 
 منبع:
 چاپ مقاله


متن مقاله
الكليات المنهجية في الفهم القرآني عند الشهيد الشيرازي ؛ إشكالية الفهم تاريخياً

بقلم: جلال ناصر

ما زالت علوم المنهج تؤكّد إشكالية واحدة -تتمحور حولها جميع المسائل الأخرى التي تأخذ بعداً إشكالياً أيضا في وضعها المعرفي كمداخل للعلم- أرهقت الأنساق المدرسية في الفكر الإسلامي على طول مساراته، وأروقته واتجاهاته المعرفية.. هذه الإشكالية أخذت إطاراً اصطلاحياً أطلقت عليها مؤخراً إشكالية (فهم النص). يعود هذا الأمر في جذوره إلى أن أغلب الحضارات الدينية تستند في رؤاها الكونية وحركتها وفعلها الاجتماعي في مضمار الصراع التاريخي إلى وجود مرجع أو نموذج يحتضنه نص معين، يمثل أساً لمنطلقاتها لا يمكن الحياد عنه، كونه (المرجع) يمثل الهوية التي تغلّف تلك الحضارة الدينية وشرعية مساراتها في كل الاتجاهات التي يفرضها الواقع وتحدياته، إذ للنص سلطة في حركة الحياة، لا تشرع إلا من خلال تلك السلطة.
النص الإسلامي يحمل نفس الإطار، بل يعيش تابعوه حصةً أوفر من الإشكالية، للخصوصية التي يتمتع بها النص القرآني في إعجازه، سيما في البناء الرمزي لدلالته، وهذا ما جرّ إشكالية فهم النص إلى مناطق وفضاءات تقتضي آليات لعملية الفهم، تمكّن المسلم من اجتياز تلك المناطق بإضاءاتها المنهجية، إذ الأسلوب الرمزي هو الأسلوب الأبهم عادة في أدبيات الأمم ولغاتها عموماً، بما تتناوله علوم البلاغة وترسيه، بحيث يحتل هذا الأسلوب المنطقة الأقصى في نأيها عن أسلوب التصريح -حسب الاصطلاح البلاغي-، بعد قنوات تقع في البين، من الاستعارة، والكناية، والإيماء، والإيحاء، والإشارة.
ويمكن تأكيد المسألة (الفهم) كإشكالية، بما يعرضه الواقع التأريخي إذا ما استقرأ في مجال علم التفسير وخزين التراث من ذلك، فمن المعروف أن ما يحتضنه الماضي من تراث تفسيري لا يملك نسقاً واحداً من المنهج في عملية الفهم، بل امتلأ التراث بمناهج فلسفية وكلامية اجتماعية وصوفية ولغوية بلاغية، فتعددت على أساس ذلك الآراء، بحيث لا يمكن على أساس ذلك المختبر التاريخي القبض فيه على وجه تفسيري واحد، يمكن أن يتوقّف عنده، كحد قرآني في دلالته، وهذا بالتأكيد منشأه الاختلاف في المنهج الذي يمثل مدخلاً لعملية الفهم، شأنه شأن المباني التي يختلف على أساسها الفقهاء في تفريعاتهم الفقهية.

*السيد حسن الشيرازي بعيداً عن التفاسير:

المفكر الإسلامي الشهيد السيد حسن الشيرازي كانت له خطوة منهجية مع هذه الإشكالية، برزت في أغلب كتاباته التي اتكأ بها على النص كمرجع. وهو مرجعه ونموذجه ومنطلقه في خطاه الذهنية والعملية على طول عمره الجهادي إلا إنه أعطى خطوة مستقلة مع معرفة القرآن أخذت هيكلية خاصة تختص بمداخل هذه المسألة (أي الفهم)، وعملية تنزيل آلياتها، وذلك ما كان منه في كتابه (خواطري عن القرآن) الذي صدر في ثلاث مجلدات عن دار العلوم في بيروت.
امتلكت خطوة السيد انفرادية في المنهج من جهة تخيله عن التفاسير في التراث سالفاً في عملية الفهم.. أمّا ترجيحه ذلك واستناده فيه، فهو رؤيته ـ التي يعطيها وجهاً تشبيهياً مع أنساق الطبيعة، بما اعتاده السيد، كأسلوب أدبي يحمل في طياته المعطى الفلسفي الذي يجرّه إليها إيمانه بالرؤية الفلسفية: الطبيعة مصدر الفكر (في جانبها الالهي) في أنه على حد قوله، ما دام البحر أمامي ـ إشارة للقرآن ـ فلماذا أدوخ في المختبرات(1) إشارة إلى الأذهان التفسيرية، حيث دأبت أغلب التفاسير على اعتماد الخُطى السابقة في هذا العلم باعتماد المفسّر المتأخّر آراءً للمفسرين المتقدمين، وهو نهج يشي بنوع من الجمود والتوقف الإبداعي الكشفي لمعطيات النص، لنزول واقع جديد مغاير لما كان أمام المتقدمين من المفسرين، وهذا ما أراد الشهيد تجاوزه في خطوته، فقد أخذ بعداً تأملياً في الآيات ذاتها من خلال نافذة الواقع ووعي الحياة ـ من دون استعانة برأي أو كتاب ـ فربما كان في طريق أو في مجلس ـ أو حدوث حادث أمامه أو أن تعترضه كلمة(2) فتلفته إلى مغزى قرآني وفكّ بإرضاءات ذلك الواقع وهذا ما يوجّه بقوة منهج السيد الشهيد في اعتماده (فقه الواقع) كمدخل لعملية الفهم. كما أنه لم يسلك مسلكاً، بما ـ هو معروف في كثير من التفاسير ـ ، بحيث يأخذ طابعاً تكلّفياً غريباً عن روح القرآن، كما نوهنا سالفاً في إسقاط أفكار عن ثقافات وافدة. فالشهيد الشيرازي يرفض إدخال مباحث بيزنطية ـ على حد تعبيره ـ تفرض على القرآن فرضاً، أو يحمّل القرآن تلك الرؤى التي أبهضت العقل البشري في تراثه التاريخي.(3)
حينما يدخل في مجال إجمالي لبناء القرآن، يتناول الخطوط العامة لدلالته كهيكل تام، وهو مدخل يعد ضرورة بدوية لمسألة الكشف، فيقسّم القرآن ابتداءً في هيكلية إلى السور القصار في أواخر القرآن، وطوال في أوائله، أمّا القصار، فيجد ملامحها، أنها تحتوي على شحنات فكرية مكثّفة ومبسطة، تواكب تدرج الفكر الجاهلي في سلم التصاعد الإسلامي، فتشابه بذلك الكتب المختصرة التي توضع للصفوف الابتدائية والتي يراعى فيها عادة البساطة والاختصار، بينما السور الطوال تحتوي على شحنات مفصّلة ومركّزة، تلائم استقرار الفكر الإسلامي على قاعدة الحكم والمجتمع، فتشبه بذلك الكتب المفصّلة التي توضع للصفوف المنتهية والتي يراعى فيها الموسوعية والشمول.(4) ولكي يؤكد هذه الثنائية يرتكز على حقيقة تاريخية للقرآن في نزوله، إذ أنّ القصار (مكيّة النزول) بينما الطوال كانت (مدنية). الأمر الذي جعل السور القصار تحمل بواكير الرسالة بينما الطوال تحمل في طياتها تفتحات الرسالة.(5)

*تعدد الاتجاه الإعجازي.. ومدخليته في الفهم:

من جهة أخرى لا يقبل الشهيد الشيرازي مقولة؛ أنّ القرآن معجزة واحدة أو ذات اتجاه واحد، وإنما يراه موسوعة إعجازية، فلعلماء الاجتماع مساحاتٍ في أن يجدوا فهيا البعد الإعجازي في مسائل علم الاجتماع وإشكالياته، لذا لطالما استعان الإسلاميون بروح النص ليستلوا بما سمّي مؤخراً بعلم الاجتماع القرآني وللساسة لهم ذلك، كذلك الأخلاقيون، والعسكريون، والاقتصاديون، وغيرهم.. كلّ له فضاءه المعرفي الإعجازي.(6)
يرى الشهيد أن مشكلة القرآن ـ إشارة إلى البعد الإشكالي لمسألة الفهم ـ أنه يعطي صوراً غير مادية بلغة مادية ولأشخاص ماديين، إلا إنه يحيل ذلك (أي إشكالية الفهم) إلى الوعي البشري وحدوده وليس إلى (ناصّه).
قوة مصدر القرآن ـ الخالق جلّ وعلا ـ تعوض كثيراً عن عجز اللغة في تحملها الصور غير المادية والمعاني الماورائية أو التجريدية عادة ولكن هذه القوة كما يرى لا تعوض عن عجز الوعي البشري(7).
يرفض الشهيد في كلياته كمدخل للفهم ومعرفة القرآن، الترادف المطروح في الاجتماع السياسي الإسلامي في المشهد الثقافي سيما في التيارات التي برزت في النصف الثاني من القرن العشرين ـ بين القرآن والدستور بحيث يكون هناك حصراً للوجود القرآني كدستور، وإنما يجعل إطار القرآن أشمل، وبتعبيره؛ إن القرآن مادة الدستور الإسلامي أي مرجعه ونموذجه ـ فالقرآن معدن، يمكن أن تكرّر آيات منه في صيغة الدستور، لتشكّل إطاراً يجمع الخطوط الرئيسية لقانون اجتماعي تماماً، كما يمكن أن تكرّر آيات أخر منه في صيغة روحية، لتشكّل إطاراً يجمع الخطوط الرئيسية لقانون روحي، وكما يمكن أن تكرر آيات ثالثة منه في صيغة كونية، لتشكّل إطاراً يجمع الخطوط الرئيسية لقانون كوني، يعبر عن العلاقات الكونية، بما فيها الإنسان، وعلى هذا يكون القرآن كتاب دين جامع، وليس دستوراً أو أي شيء آخر على انفراد.(8)

*لآلية الروحية في الفهم:

ن ضمن ما أدخله كشروع في مسألة الفهم للنص القرآني، بعداً له واجهة روحية في معطاه، مع ضرورته كحد علمي أو آلية في الدخول للنص، وهذا ما اتكأ به على التوجيه القرآني نفسه للارتباط بالقرآن فهماً، وهو ما أوصته الآية الكريمة: (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) سورة النحل، الآية 98. فيأخذ الشهيد البعد المنهجي من دلالة الآية حينما يفسرها ضمن منحى ما يسمى بالتفسير المزجي، كما عرف به تفسير عبد الله شبر وبعض شروحات المتون الدراسية في الحوزات العلمية ليطرح ذلك بهذه اللوحة.
(َإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ) فلست في رحلة للتسلية، ولا أمام ترف فكري للتوسع، وإنما أنت في دولاب يتجول بينك من جهة وبين الله والكون والحياة من جهة، وهو يحولك ـ فجأة ـ إلى حلبة مباراة عنيفة تفقدك توازنك قبل أن تحاول اتخاذ أي قرار، (فَاسْتَعِذْ بِاللهِ) ليزودك بطاقات إضافية، تركزك، وتوسع مداك، والجأ إليه، ليعصمك (مِنَ) مداخلات (الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) الذي يأتيك من حيث لا تشعر(9). إذن مسألة الفهم والخوض في فضاءات القرآن، ليس أمراً مشابهاً في محنته المعرفية، أي المسائل المعرفية التي يتناولها العقل البشري في علومه عادة، فالأمر يحتاج إلى زخم روحي ناهيك عن زخمه المادي في الإطار الآلي الذهني من العلوم الاكتسابية، فإلى جانب الإطار المنهجي الذي يكدح له العلماء في إبداع آليات تستطيع أن تفتح أبواب القرآن في مداليله، فهناك إطار معنوي يشمل شرطاً آلياً، يقتضى توفره في عملية الفهم.
من المسائل والعناوين الكلية في هيكل القرآن، التي تلاقي المفسر في عدّة مفاصل منه، هي مسألة التكرار في الجمل، والكلمات عادةً، وهي ظاهرة بارزة، بحيث تمثّل جهة من جهات البناء القرآني، الأمر الذي يشكّل من هذه الظاهرة البلاغية، بعداً مدخلياً في عملية الفهم.
ناقش الشهيد هذه المسألة في مسارٍ يبدأ به من لوحة الطبيعة أيضا كمصدر للفكر في آياتها، على خلاف الغربيين، في إيمانهم بمصدريتها دون ذلك القيد، كونها الكتاب التكويني المبصر الذي يمكن له توجيه دلالات الكتاب التشريعي (القرآن)، فلا يرى الشهيد مثلاً أي تكرّر في الكون، بمعنى التكرار الروتيني، الذي يعني، أن يأتي شيءٌ مرتين في موضع واحد. نعم.. قد يكون هنالك تكرار في الشكل لا في الواقع، ويضرب لذلك أمثلة خارجية:
مثلاً: المصابيح في المدينة كثيرة، فهل هي مكررة لأنها متشابهة؟! كلاّ.. فكل مصباح واحد، في موضع خاص به.
مثلاً: أفراد البشر متشابهون، فهل هم مكررون؟! أو أنّ كل واحد منهم واحد، في موضعه الخاص به؟
ـ النجوم في السماء كثيرة متشابهة، فهل هي مكررة؟
أما مع التكرار اللفظي ـ في الكتاب التشريعي ـ: فللكلمة وجود لفظيّ إلى جانب ثلاث وجودات أخرى، الخارجي والذهني والصوري، فإذا وجدناه قد جاء مرتين، فلدلالتين، وكمثال: كلمة (الناس) إنما جاءت في سورة (الناس) خمس مرات، تماماً.. كخمسة مصابيح متشابهة ركّزت في مواقع خمسة.(10)
يدخل الشهيد مساحات المختبر بتلك الكليات وغيرها مما استبطنها الكتاب (خواطري) عرضاً في ثنايا تفسيره كما أنه ـ كما سنرى ـ دأب في أغلب تفسيره على محاولة اقتناص فلسفة وروح النص، أي التركيز على استدلال قوانين ومبادئ وأهداف وخطوط عامة بعيداً عن الجزئيات. وهي المشهد الأوفر إبداعاً وحاجة في المسارات الفكرية، سيما أن القرآن ككتاب متعالي على الزمان والمكان، يفرض حمله هذه الكليات، بل أن بناءه في صلب هذا المنحى، لذا اتفق علماء التفسير (المورد لا يخصص الوارد). وهذه الميزة في التعالي، تحتم نسقاً كلياً كيما تغطّي به تجددات الواقع، بكل أشكاله، والكلام يطول في هذه المسألة التي تفرّع عنها عادةً في ثلاثية (النص، التعالي، التاريخ) وكان القرآن هو الوحيد الذي حمل تلك الصفة في تعاليه، والمسألة تعود في جوهرها، إلى تعامل القرآن مع فلسفة الأشياء، سيما (مشكلة الإنسان في وجوده) وعلاقته بما حوله.
كانت تأملات الشهيد الشيرازي وتحديقاته بهذا الجانب يرقى على الجوانب الأخرى ـ مثلاً ـ يأخذ عدّة إشارات من سورة الفاتحة انفردت بها السورة أو أقلها حملت بها زخماً لم تحمله أخرى، وذلك باستيعابها كليات العقيدة، هذه الكليات ملكت صوراً كثيرة وجهت:
1ـ أهم صفات الله المتصلة بالإنسان.
2ـ الحياة الآخرة بأهم مراحلها.. يوم القيامة.
3ـ موقف الإنسان من الله.
4ـ توجه الإنسان في الحياة.
5ـ الخط الذي ينبغي أن يكون مساراً للانسان في الدنيا.
6ـ الخطوط المنحرفة التي تعترض سبيله.
مع أهمية هذه الاحتلالات، كانت تبقى عند الشهيد صعوبة نقل آفاق السورة إلى الوعي البشري، للاختزال الكبير لها ـ بهذه الآيات السبع ـ لفلسفات موجية في حجمها، الأمر الذي فرض على الشهيد العودة إلى أدبه الكبير الذي عرف به ناشراً وشاعراً، وفقهه البلاغي، في إدراك المناهج والأساليب والمدارس التعبيرية في الأدب، كما عُرف به ناقداً أشير إليه على مستوى كبير، حينما خرج كتابه القيّم (الأدب الموجّه) يعرض الشهيد المغزى في هذا الاختزال والاكتناز بأرقى صوره في مقولة (التكثيف والاختصار) البلاغية، إن السورة جاءت في عرض تلك النقاط العقدية مع ثقلها الكلامي والفلسفي.. جاءت على حد تعبيره (بأسلوب دعائي إيحائي ـ وهو أسلوب يتناول علم النفس في أهم مفاصله، إضافة إلى إطاره البلاغي ـ يُرسّب المفاهيم التي يحملها إلى القلوب قبل أن ترفعها الشفاه إلى الله.(11) وهي صورة ذات باب يفضيك إلى أفق لا ينتهي مداه وإن انتهى مداره، كما أنها صورة عميقة في صوغها الفلسفي بحقلها الوجداني، إذ لطالما تطرح مسألة في النقد الأدبي الفلسفي لجهة الإبداعات التعبيرية واللفظية منها خصوصاً، سيما فيما تتناوله الأنثربولوجيات في حكم وأمثال الشعوب. فيرتكز التقييم لهذا الوجه الإبداعي في التعبير، على معيار يمثل عادة نظرية، وهي وصول المعاني قبل الحروف، كونها من الصعوبة بمكان بحيث تخرج المسألة التعبيرية عن نطاق المسالة الآلية للكلمات، بل إنها خارج الوجه المنطقي للمسألة، فحين يتناول المنطق (الوجود اللفظي والذهني)، يكون الوجود اللفظي سابقاً للذهني، بحيث يحل محل العلة للذهني، فكيف إذا خولف هذا الأمر المنطقي في إبداع ما فكأنه يمثّل تحدياً وتعالياً على الواقع ونظام الوجود، لذا كأن الشهيد يوجه الأمر واللغز في ترسب المفاهيم في القلوب قبل تلفظها إلى نكته الإيحاء، التي تحال آليتها إلى علم النفس بعيداً عن عمل الألفاظ.
استثمر الشهيد للوقوف على إيحاءات السورة، البعد الدلالي لمقاصد السورة من أسماءها، وذلك للارتباط المعروف بين الاسم والمسمى، والعنوان والمعنون، حيث من المعروف أن الاسم يشحن بشحنات فضاء المسمى، بحيث يقف المتنامي على المسمى عن طريق الاسم استقلالاً، بصورة غير مباشرة.
في هذا البعد استطاع الشهيد أن يؤكد مميزات الآيات في خطوطها العامة، فتسميتها بـ(فاتحة الكتاب) تشير إلى كونها المقدّمة التي تلخص التصوّر الذي يحمله القرآن كلّه، وتضع له الإطار الذي يحصر مفاهيمه، كما أنها سمّيت بـ(أم الكتاب) كونها ركزت الأسس التي يبنى عليها القرآن ومعطياته.(12)
أما البسملة فيتناولها الشهيد من مدخل الواقع زمنياً بالاستعانة بالمسارات الأنثربولوجية التي تتصفح الشعوب تاريخيّاً، بما تضعه في شروعها خطى استراتيجية معينة في أغلب اتجاهات حركة المجتمع، فعنده ـ الشهيد ـ الابتداء باسمه تعالى، هو اتجاه إلى مصدر كل الطاقات العليا، في صيغها الإلهية المطلقة، والاتجاه إلى الله، يؤهّب لإطلاق أقصى القدرات الخاملة في الإنسان. وهذا شيء ظاهر نمارسه ـ هنا المدخل الأنثروبولوجي ـ في مختلف مجالاتنا الحياتية: فالعسكريون يرددون أسماء أبطالهم الاسطوريين، لاستنفار الرجولة في أنفسهم. والعلماء يفجرون مواهبهم، بتذكر أسلافهم التاريخيين. وكل صنف من الناس، يحرّكون قدراتهم المختلفة المختلفة بذكر عظمائهم المثاليين.(13) إضافة إلى توجيه يغطي ذلك، وهو أن (بسم الله) يملك إيماءً أقرب سيما لغوياً ومنطقياً ـ في البعد التشريعي للفعل ـ بأني أتصرف، أعمل أو أقول، والله هو منطلقي وهدفي لا المنطلقات الشخصية(14).

*فلسفة الحلال والحرام.. (البناء والهدم.. الفردي والجماعي):

من الآيات المهمة في بعد الاجتماعي الحضاري وإدارة الصراع في المجتمع تاريخياً، يتوقف الشهيد عند الآية 157 من سورة الأعراف:
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
يعالق الشهيد بين الطيبات والحلال، والخبائث والحرام ويوحد بينهم في نطاق الصفة واقعياً. كذلك بمنطقة أخرى يجمع بين الطيب والمنفعة، والخبيث والمفسدة. ليصل بهما إلى تجليات الواقع كيما تقترب عملية الفهم، عند نافذة المجتمع في عقلائية المنفعة والمضرّة. والمنطلق القرآني كان يريد ذلك في حلاله وحرامه لا تكليفاً عبثياً، وإنما في جوهر الحلال والحرام تقف المصلحة والمفسدة، بل إن العقل البشري في بحثه عن السعادة على طول تراثه الحقيقي منه، يريد أن يفرز الصالح من الطالح، كيما يتقوم به، وكذلك القرآن أراد من ذلك التكليف، في نشده البناء الحضاري للأمم لاستخلاف الأرض، استمرار مسيرة التكامل، التي يلتقي معها التاريخانيون ـ بعيداً عن معتقداتهم ـ في إقرارهم فلسفة التقدم التي يتحرك بها التاريخ، على شكل الحركة الحلزونية وهي سنة الصيرورة الإلهية للإنسان على هذه الأرض، التي تقترب منها كثيراً دلالة الآية الكريمة (إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) فإليه، ونحوه، لا فيه وبه كما يقول الصوفيون.
فالمصلحون ـ جميعاً ـ كما يرى الشهيد يحاولون التشجيع على ما فيه المنفعة والتنفير عما فيه المفسدة، ولكن باتباع أسلوب الترهيب والترغيب بالمنفعة والمفسدة.
والنبي (صلى الله عليه وآله) بصفته مصلحاً، شجع على ما فيه المنفعة ونفّر عما فيه المفسدة، ولكن لم يؤسس الترغيب والترهيب على المنفعة والمفسدة، وإنما أسسها على الحرمة والحلية، ولعل هذا هو الفارق في الأسلوب، الذي قد يبدو شكلياً، من أهم الأعمال التي قام بها النبي، حتى استحق أن يقدّم هذا العمل ـ في عرض القرآن لأعمال النبي (صلى الله عليه وآله) ـ على تحرير النفوس من القيود الذاتية والخيرية(15). يعيد الشهيد هذا التوجيه الفلسفي إلى مخاض فلسفي أعمق لمسألة الحلال والحرام، القائم عليها كل التشريع الإسلامي في قضية التكليف، التي أخذت أبعاداً كلامية وفلسفية وفقهية، وتاريخية أيضا.

هذا المخاض إن يعاد إليه هو عبارة عن سببين:

الأول تربوي، فالترغيب والترهيب بالمنفعة والمفسدة، توجيه غير مباشر إلى عبادة الذات، فالذي يقول: (افعل هذا.. لأنه ينفعك) و(اترك هذا.. لأنه يضرّك) إنما يوحي بأنك أنت المقياس العادل في تصنيف الأشياء، فما ينفعك فهو الذي يلزم أن يكون، وما يضرّك فهو الذي يلزم أن لا يكون، وهكذا... يغرس في نفس الإنسان أنه هو الذي يتحكّم في الأشياء، وليس هنالك شيء غيره يحكم عليه أو على سائر الأشياء، فهو الحاكم المطلق، ومصلحته هي قدس الأقداس، فعندما يمارس شيئاً إنما يعبد ذاته، وحينما يترك شيئاً ضارّاً إنما يعبد ذاته.. بينما الترغيب بالحلية والحرمة، توجيه غير مباشر إلى الارتفاع عن عبادة الذات، والتعالي إلى عبادة الله تعالى، فالذي يقول: (افعل هذا.. فهو حلال) و(اترك ذاك.. فهو حرام) إنما يوحي بأنك أنت وكل الأشياء خاضعة لله، وهو الذي قرّر شريعة تصنيف الأشياء، وعليك الالتزام بها، لأنها من عند الله فحسب. وهكذا.. يغرس في نفس الإنسان أن الله هو الحاكم المطلق، وإن شريعته هي المقياس العادل، فعندما يمارس شيئاً حلالاً إنما يعبد الله، وحينما يترك شيئاً حراماً إنما يعبد الله. وينتهي الشهيد إلى أن هذا التوجيه غير المباشر إلى عبادة الله ـ على عكس المباشر ـ حيث يسري في كل حياة الإنسان، يربي في نفسه الإيمان العملي، الذي لا يمكن أن يربّى بالفلسفات(16). وعليه نجد، واضحاً أن المسار التفسيري لم يتوقف عند الحروف بل تعداها إلى روحها ومن ثم الدخول إلى أروقة اشكاليات في القانون، في مسألة (ما يجب وما لا يجب) ومسألة الأثر والتقييم على أساسه في ثمار الواقع، فحتم عليه هذا الأمر إعطاء مقاربات، بين الحلال والحرام، والمنفعة والمضرّة، والمصلحة والمفسدة، كما مع الطيب والخبيث.

*الإسلام والحياة.. (فلسفة التوازن):

من الآية الكريمة (24 من سورة الأنفال) التي يمكن أن نسمّيها (آية الاستجابة والإحياء) وهي من الآيات ذات الفضاء الأفسح في فلسفة التكامل، والدلالات الكبرى في مجال التفريق بين الحياة والموت، المعنويين في الحياة. لذا أعطاها الشهيد حصة من العمق يحاول أن يوائم بها شيئاً من دلالات أغوارها، ليأخذ منها وجهة فلسفية أيضاً في كليات وقواعد، يكوّن منها بناءً قرآنياً للحياة كمعطى يفترض أن يمنحه للشارع المسلم. إضافة إلى تناوله فيها، مسألة الحياة الدنيا والآخرة، بالنسبة إلى الفعل الإنساني، ورؤية الإسلام في تشريعه وحصة كلٌّ منهما في ذلك، سيما أن المسألة من أهم الإشكاليات التي تمثل العلامة الفارقة بين الإسلاميين والعلمانيين وتمسك، بتهمة الغيبة عند الإسلاميين أو الأخروية، وهي عينها النظرة التي يحملونها والتي ألصقت بهم تسمية الماديين على أساس أنهم يتعاملون مع الطبيعة دون ما ورائها، وفي ذلك كانت ما تسمى فلسفة موت ـ الله ـ عند نيتشه فكيف ينظر الإسلام إلى الحياة والى الآخرة، كجناحين يمثلان طرفاً في التحليق وحمل هناك بعد ترجيحي في ذلك.
يرى الشهيد ببداية استفهامية يتكلّفها في منهج الطرح اقتضاءً اقناعياً، في أنه، هل الإسلام يعبأ للآخرة أم يعبأ للدنيا؟ وهل مهمته في توجيههم إلى الموت وما بعده، أم في تركيزهم في الدنيا؟ أما الآية فيراها أنها تشير إلى عكس ما يفهم الناس ـ عادةٌ ـ من الإسلام. فالرسول يدعوهم الناس إلى الإسلام، وهو يحييهم. إذن: فهم أموات الآن ـ معنوياً ـ والإسلام يحييهم، وهم ـ بدون الإسلام ـ أموات(17) مهما تواترت منهم الآثار الحياتية، لأنهم لا يبلغون مستوى حياتهم به، ويأتي في واقع الإحياء هذا من الإسلام في قيمه بالتأكيد، ويسميها بمسألة النفخ ـ من نفخ الروح ـ فيضرب مثالاً.. نفخ الراعي (غفار) فجُعِل منه (أبا ذر) الثائر. ونفخ الرسول في الشاب المدلل (مصعب بن عمير) فجعل منه العاصفة التي هبت على (يثرب) فحولتها إلى (المدينة)، تلك البقعة التي على أثر إعداد مصعب، غدت معقلاً للرسول يحتمي به، ولتنشأ المدينة الفاضلة الأولى في التاريخ بنموذجيتها.. ونفخ الرسول في سائح (فارس) فجعل منه (سلمان المحمدي). ونفخ الرسول في (بدو الحجاز) فما تحسب إلا والرمال تتحرك، والصخور تنشط في خمول الأبد، فتعبر القارات، لتأخذ زمام الأمم: ويوجه ذلك بإضاءة قرآنية بالغة تأخذ نهج تفسير القرآن بالقرآن ـ في أن الإسلام هو نفس (الطاقة) التي جعلت الواحد أكثر من عشرة، ومستنده في ذلك الآية الكريمة: (..إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا..).
هذه الآية، التي يحاول للأسف بعض الإسلاميين توجيهها في إطار غيبي بينما الشهيد يعطيها وجهها الواقعي الدنيوي ـ وهو الصحيح ـ فالمسألة كل ما فيها... أن القيم والمبادئ تقوم بعملية النفخ.. نفخ الروح، لتكون عملية (الإحياء) بعد الاستجابة لتلك القيم.
يستمر الشهيد في طرقه ملماً دون توقف بمقولات ترسخ هذا المنحى.. فالإسلام ـ عند الشهيد ـ هو نفس القوة التي قلبت كل المفاهيم السطحية(18)، حتى كانت تلك الكلمة: (الموت في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين) من خطبة الإمام علي (عليه السلام)، وهي الكلمة التي توجّه وتفصل مسألة الإحياء، والمسألة الفلسفية التي طرحت عقلياً ودينياً وأدبياً، بما نوهنا عنها في الهامش السالف.

*فلسفة البعثة:

من الآيات الأهم في الفكر الإسلامي، سيما المقاصدي منه، بما برز حديثاً، حيث غالباً ما عوّل على هذه الآية في تأسيس مقاصد تجاوزت المقاصد الخمسة المعروفة (الدين النفس، العقل، المال، العرض)... الآية في نصّها (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) سورة الجمعة، الآية 2.
التفت المفكرون مؤخراً إلى أن الآية تتناول مسألة البناء الحضاري في مقصدين استلتا منهما (التزكية، والعمران)، والتفت الشهيد في وقته إلى أن هذه الأعمال الثلاثة: في مسألة _الآيات، التزكية، التعليم) هي التي تولّد حضارة كاملة، كما ولدت بالفعل ـ في الحضارة الإسلامية الأولى ـ لأنّ الحضارة الكاملة، هي حضارة مزدوجة من حضارة الروح وحضارة الجسد. أما حضارة الروح فهي معرفة فلسفة الكون والحياة والإنسان، بحيث يعرف فلسفة الخطوط العامة في الكون، حتى لا يعاني من الشكوك والشبهات، ولا تساوره أسئلة تبحث عن أجوبتها. ولا توجد فلسفة واقعية وكاملة، للكون والحياة والإنسان، غير الفكر الديني الكامل المتمثل في الإسلام. فتوجيه الناس إلى الإسلام، عن طريق الآيات التي هي طريق الإقناع الحر، إنشاء للحضارة الروحية التي تملأ كل فراغات الروح، ولا تترك فيها زاوية يتسرب إليها الظلام، ليعذب صاحبها، ويؤدي به إلى الحيرة واليأس والانتحار(19)، كما هو شأن باقي الحضارات التي لا تعطي ميزانها الحضاري قنطاراً من الروح، فتذهب بها كفة المادة.. إلى جانب يميل إلى جهة مهوى حضارتها التي لا تدوم مهما تقدمت في ماديتها كما هو ملاحظ في الشطر الغربي من الأرض، وبإلحاح عباقرتهم، محذرين من الهاوية الكبرى.
فحضارة الروح عند الشهيد، هي كفكرة لا تعطي عطاءها المطلق، إذا ما تقلصت في زاوية الأفكار، ولم تنتشر في كيان الفرد كله، فتطهر نفسه من كل ما لا يليق به كعنصر صالح. فكانت تزكية النفوس، بعد إنارة الأفكار بالإيمان ـ في إطار الإسلام ـ كتعبير عن صدق ذلك الإيمان، وتمكنه من المؤمن.
ثم كانت حضارة الجسد: الحضارة الداخلية (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ) والى هنا: استكملت الحضارة الإسلامية عناصرها الثلاثة.(20).

*مدخلية العسر لليسر.. وحتمية الترتب:

هنالك حتميات يشهدها الواقع غالباً ما ترجح في الاتجاه الديني إلى مسألة غيبية، مع أنها يمكن أن تجد مجالها الواقعي، ومع هذا تبقى في الهيتها كونها تشكل وجهاً سنياً لحركة المجتمع، والسنن التي يتحرك بها المجتمع جعلها الله تعالى ضمن نظام الكون في توازنه بهذا الشكل والسياق بداية ونهاية ولا يمكن لها أن تأخذ مجرى آخر غير ما رسم لها (سُنَّةَ اللهِ... وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً). والعسر واليسر بالصورة التي ترى عادة في ترتب اليسر بوصول العسر إلى مناطقه المعتمة في قمتها، أيضا تملك نوعاً من السنن الاجتماعية أي أنها ذات بعد واقعي.
يمر الشهيد على هذه المسألة مع الآية (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) فيتناولها، بأن سنة الحياة في أزماتها أنّها محدودة، لأنها ـ الأزمة ـ حالة غير طبيعية، فهي تهيج كالعاصفة وتموت كذلك كالعاصفة، فقبلها لم تكن وبعدها لا تكون. فكلّ شدّة مضغوطة في سنتها الاجتماعية بفكّي كماشة، هما: رخاء سابق ورخاء لاحق. ويستعين هنا بنص في ديوان الإمام علي (عليه السلام) يعالج فهم الآية:
إذا ضاقت بك الدنيا تفكّر في (أَ لَمْ نَشْرَحْ)
تجد يسرين مع عسر إذا فكرتها تفرح
كما أنّ لكل أزمةً ـ تحليل وجودي للظاهرة ـ زخماً لا يمكن أن تنتهي ما لم تستنفذ فورة ذلك الزخم ـ هنا يبحث مسألة الترتب والعليّة الغالبة للشدة في عدم انحلالها وتحولها لليسر حتى بلوغها قمتها ـ فاشتداد الأزمة يدل على بلوغ الزخم فورته، وهذا يعني أنه آخذ في الانحسار. فلكل أزمة ذروة، لابد أن تبلغها حتى تنتهي، ويرصد لتأكيد هذا التحليل، الحديث المروي عن الرسول (صلى الله عليه وآله): (اشتدي ـ أزمة ـ تنفرجي) لذا لا يمكن للكون أن يسلك غير هذا المسلك والا يكون عاجزاً عن السيطرة على تفاعلاته.(21)
* * *
وفي هذا يمكن التوفّر على منهج (الشهيد) ورؤاه في الارتباط المعرفي مع القرآن، إذ لكل ارتباط أسسه في الإدراك والفهم والحكم والالتزام. كما أنه إضافة إلى تحديده ذلك كمنهج يتخذه في مداخله، نجد أن الأبرز والأهم من ذلك، منهجه في التعرض إلى الآيات. فهناك بلا شك اتجاهين في التقسيم العلوي، إما انحصاراً مع الجزئيات للخوض في أبعاد حرفية، وإما التوجه إلى الكليات التي يملكها النص في سياقها انتزاعاً، أي أخذ فلسفة النص وروحه ومقاصده وأهدافه العليا، كموجهات، وهذا ما حرص عليه الشهيد في تعامله مع النص، وهي ميزة، لا نتوجه إليها كمجال إبداعي فقط، بقدر كونها ميزة، تحمل في وجودها ردماً لإشكاليات عدّة، وجّهت لها المدارس الفكرية ـ تقييماً ـ في ميلها يساراً مع الكليات أو يميناً مع الجزئيات، وهذه المسألة مثارة كثيراً، ذلك أنه توفّر الأمّة على الكليات هو الذي يرسم مسارها، على عكس الجمود على الجزئيات، التي تختفي حاجتها الواقعية لفترة جيل أو جيلين، فالمعروف أن جميع الإيديولوجيات في وجودها، وتعاليها النسبي على التاريخ وتجددها على الزمن ـ الواقع الجديد عليها ـ يعتمد على الكليات الفلسفية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية والمعرفية... الخ، التي تحملها تلك الإيديولوجيا.
ومن هذا أشاح ـ الشهيد حسن الشيرازي (قدس سره) ـ بفكره عن الجزئيات ليحاول أن يجرّد من النص وينتزع منه روحه ومقاصده القرآنية، كيما يضيف أفقاً كلياً إلى منظومة الفكر الإسلامي(22) تلك المنظومة، التي ما زال يكدح لها شيئاً فشيئاً، إمام صنوبر تلك التحديات، ليكون هناك تناسب طردي، بتجدد الواقع وتحدياته، والحاجة توسع فضاء تلك المنظومة.. لإيجاد إجابة لتلك التحديات، لذا كان الشهيد يسعى إلى زيادة آفاق تلك المنظومة فهي التي تتكفل هذا التجدد والتغير في الواقع. فلا يحكم ذلك الواقع ولا يجيب ارهاصاته إلا المفاصل التي تمثل عنصر الثابت في الفكر الإسلامي، وهي الكليات بالتأكيد.
كما أن هذا الاتجاه من التفسير، يعتبر في حد ذاته لازماً منطقياً في رفضه بصورة غير مباشرة إلى تلك الاجتهادات التي تتناول حرفيات النص القرآني، بعيداً عن صراع التيارات والإيديولوجيات التي تمخر عباب الساحة العالمية بالشكل العولمي المعروف، وبعد السخرية التي تطال الحدود، فالاختراق الثقافي غدا في اصطلاحه ذا دلالة غير واقعية، إذ لفظ الاختراق، يقترن دلالة بصعوبة النفوذ، وهذا ما كان عليه في فترات تاريخية ماضية وإن لم تكن بعيدة، أمّا ما توفره الإعلاميات الآن، فهو يزيح دلالة الاختراق جانباً، لتغدوا كل بقعة ساحة للصراع الفكري، دون أي صعوبة وتمنع أو تزيح أي جدار للوصول إلى تلك الساحة، وبالتأكيد هذه الإيديولوجيات في صراعها تتعامل مع الأطر الكلية لأفكارها، كقواعد وفلسفات وأطروحات، فيبيت لزاماً على العالم القرآني، أن يواجه ذلك بمثيله في الحد المعرفي، وإلا فالتمحور حول جزئيات، تخدم حاجات جزئية، لن تجدي أبداً في الصراع الحضاري للإيديولوجيات، بل يكون الأمر حينها أشبه بأن ترفع سكيناً أمام مدفع رشاش، ولا أظن العقلاء يرتضون ذلك.

**الهوامش:

1ـ السيد حسن الشيرازي، خواطري عن القرآن، بيروت، دار العلوم، ط1، 1414هـ، 1994م، ج1، ص12.
2ـ نفس المصدر، ص14.
3ـ نفس المصدر، ص12.
4ـ نفس المصدر، ص19.
5ـ نفس المصدر، ص20.
6ـ نفس المصدر، ص27.
7ـ نفس المصدر، ص28.
8ـ نفس المصدر، ص31.
9ـ نفس المصدر، ص51.
10ـ نفس المصدر، ص43-44.
11ـ نفس المصدر، ص49.
12ـ نفس المصدر، ص49.
13ـ نفس المصدر، ص52.
14ـ نفس المصدر، ص53.
15ـ نفس المصدر، ص471-472.
16ـ نفس المصدر، ص472-473.
17ـ كثيراً ما يطرح الفلاسفة في كل اتجاهاتهم العقلية والدينية والأدبية والفنية، على أن الحياة في وجودها الحقيقي لم يحصل عليها إلا القلائل، وهم أولئك الذين يكدحون في فعلهم على مسار تضيء له ثلاثية: (الحقيقة، والخير، والجمال).
18ـ نفس المصدر، ص497-498.
19ـ نفس المصدر، المجلد3، ص216.
20ـ نفس المصدر، المجلد3، ص218-219.
21ـ نفس المصدر، ص، المجلد3، ص380-381.
22ـ تحمل عادة المنظومات الفكرية لكل الاتجاهات المعرفية على الكليات التي تمثل الرؤيى الكونية المغطية لكل القنوات، إمّا الجزئيات، فهي تتمثل بالنتاجات الفردية لتابعي تلك المنظومة، ولا تحسب عليها فقد يأتي يوم وترفض تلك الجزئيات وتكسر كل تلك الكليات باقية كما هو معروف في مسألة الثابت والمتغير في الفكر الإسلامي، فالثابت هو الكليات التي تمثل روح الإسلام، أما المتغيّر في الجزئيات، التي تشبعها المنظومة الفكرية الإسلامية في الواقع.


CopyRight © maarefquran.org
info@maarefquran.org