تعداد بازدیدها : 1457
  عنوان مقاله : دراسات؛ عبادة اللّه وعبادة الطاغوت في القرآن الكريم( 3 )
 نویسنده : عيسى أحمد قاسم
 موضوع : صفحه اصلی موضوعات (12127) >معارف قرآن(7684)->فقه و اصول(599)->فقه(486)->ابواب فقه(389)->عبادات(296)
  آدرس اینترنتی:   http://www.ahl-ul-bayt.org\Arabic\thqalayn\thaqa12\derasat_12.htm 
 منبع:
 چاپ مقاله


متن مقاله
دراسات؛ عبادة اللّه وعبادة الطاغوت في القرآن الكريم( 3 )

* الشيخ عيسى أحمد قاسم ( البحرين )

تضمنت الحلقة الاولى من هذه الدراسة بحثاً قرآنياً عن حقيقة الايمان باللّه وعبادته وحقيقة الايمان بالطاغوت وعبادته والتحاكم اليهما والقتال في سبيلهما، ثم بيان مبدأ العبادة والمعركة الدائمة بين رسل اللّه وأتباعهم والطاغوت وأتباعه.
كما تضمّنت الحلقة الثانية نتائج عبادة اللّه وعبادة الطاغوت، والصفات القبيحة التي يتصف بها الطاغوت.
اما في هذه الحلقة فسيتم تناول الكيفية التي تواجه بها الظاهرة الطاغوتية.
( التحرير )

سادساً: كيف تواجه الظاهرة الطاغوتية؟

كما لم تجتمع عبادة اللّه وعبادة الطاغوت أمس فهي لا تجتمع معهااليوم، ولن تجتمع معها غداً، فالمفارقة قائمة، والمنافرة دائمة، وكما كانت الملازمة ثابتة بين الدعوة إلى اللّه، والدعوة إلى اجتناب الطاغوت، وأنهما يمثلان رسالة مشتركة في حياة الرسل )ولقد بعثنا في كل أمَّة رسولاً أن اعبدوا اللّه واجتنبوا الطاغوت...([1] فكذلك هي ثابتة بينهما اليوم، ولا تزالان رسالة واحدة مشتركة، لا تتم ولا تؤدّى بإحداهما دون الاخرى.
إذاً لابدّ من مواجهة الظاهرة الطاغوتية في الارض من قبل من يريدون مواصلة خطّ الرسالة والرسل في إطلاق النداء في النَّاس بعبادة اللّه، والتمسك بمنهج دينه. والسؤال هو كيف نواجه هذه الظاهرة؟
هناك المواجهة الجذريَّة الشاملة التي جسّدها الاسلام على يد النبي الاكرم والقائد الاكمل محمد(صلى الله عليه وآله) جسّدها بحركيته ودولته وأطروحته وتربيته وسلمه وحربه.
ليس المطروح هنا هذا المستوى من المواجهة، لا لعدم مطلوبيته أو لان غيره يقوم مقامه، أو أن ما يبرئ الذمّة دونه، وإنما حصراً للكلام في جانب معيّن مما هو أقرب للتناول والاستيعاب بدرجة ما، وتبقى المواجهة الشاملة من مسؤولية الامة في كل مراحل وجودها.
ومما ينطبع به هذا الجانب من المواجهة أنه عام لكل مستويات الامة، وجار في كل مستويات المواجهة. وهو جزء من المواجهة القرآنية الكاملة التي تنطق بها آياته، وتطفح بها تعاليمه. وليكن الحديث عن هذا الجانب في النقاط التالية:

أ ـ الحماية الفكرية:

(قل من يرزقكم من السماء والارض أمَّن يملك السمع والابصار ومن يخرج الحيَّ من الميِّت ويخرج الميت من الحيّ ومن يدبّر الامر فسيقولون اللّه فقل أفلا تتقون * فذلكم اللّه ربّكم الحق فماذا بعد الحقّ إلاّ الضلال فأنى تصرفون)[2].
(قل لمن الارض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون للّه قل أفلا تذكَّرون * قل من ربُّ السماوات السبع وربُّ العرش العظيم * سيقولون للّه قل أفلا تتقون * قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون)[3].
هذه المعرفة الفطرية التي تشعّ بها روح الانسان، وتتشبّع بها تلافيف كينونته الكريمة، يجب أن تستثار دائماً، لتبقى قوية حاضرة في وعي الانسان، متمكنة من فكره. وأن تعطي بعدها العملي في نفسه وشعوره، لتقود خطاه وتحدِّد مواقفه. ولهذه المعرفة ما يميّزها عن المعرفة الفلسفيَّة البحتة ذات الصرامة الجدليَّة، الموغلة في المماحكات الفكريَّة بعيداً عن الوجدان الانساني الحيِّ في منابعه الاصلية الصافية، وإشعاعه المتدفّق الدائم. هذه المعرفة تنطق بها كل نفس، ويغنى بها كل قلب، إلاّ أن تحدث تراكمات جاهلية تحيل لغتها لغة صعبة على النفس، فتكون العناية بإزالة تلك التراكمات. التفاعل من النفس مع معرفتها التي غرست خلقة فيها، بل عجنت تكويناً بها، حين تتوفر على تجلّيها لذاتها، وتخرج من عتمة الضلال الذي يُلفتُها عن نفسها تفاعل ميسور بلا تحايل، قوي بلا دفع، دائم بلا تدخّل.
أما الفكرة التي تدخل النفس بالجدل تظل الوجود الغريب القلق والمقلق. النفس منها على استيحاش وفي تردد، بلا اندغام ولا تفاعل. وتبقى للمعرفة الفلسفيَّة الخاصَّة والمنضبطة قيمتها في تمديد الفكر وتوسعته، بما لا يميل به عن محوره الاصيل، مما تجلّى به النفس الانسانية من حقائق الفطرة وهداياتها. وفي سدِّ الباب على الشبهات وعُقدها، ورفع ما قد يتسلّل إلى داخل النفس منها، على أنها أكثر ما تولد في ظلّ النظر المجادل، وصراع الافكار المتفلّت.
والكثير الكثير من أفواج الامَّة وغيرها من بني الانسان أكثر ما تحتاجه أنفسهم لتندفع في الطريق الواصل معطاءة مضحية، قويمة ثابتة هو أن ينفض الغبار أو التراكمات عندها عن الفطرة، ويتجلّى في داخلها النور الذي أودعه اللّه كل نفس، والهدى الذي منحه كلّ قلب، والكلمة التي أنطق بها كل عقل.
وعلى كل تقدير إذا كان جوّ الجهل والغفلة، والخوف والحاجة، واهتزاز الثقة، وغياب الوعي بقيمة الذات والحاضر والمستقبل هو جو الظاهرة الطاغوتية الذي تنبت فيه وتنطلق مترعرعة، وهو جو ولادة الطواغيت وتعلقهم، فإنه لابدّ لحماية الافراد والمجتمعات من هذه الظاهرة الخبيثة من تقديم الرؤية الكونية القرآنية الاصيلة للنَّاس، وإراءتهم من عظمة اللّه تبارك وتعالى وقدرته وجماله ولطفه وواسع رحمته، وشديد اخذه ما يرتفع بهم عن سماع الطواغيت، وتعلق الامال بهم، لابدّ من إعطائهم وضوحاً فكرياً لربوبية ربَّهم الحق وأُلوهيته، بمالها من بعد شعوري وعملي في حياة الانسان يغطّي كل حركته. انظر تعقيبات الايات الكريمة بعد أن تستنطق الفطرة بشأن قدرة اللّه، ومالكيته المتفرّدة، ورجوع الامر كلّه إليه، وسلطانه الشامل. انظر كيف تعطي هذه المعرفة التي يزخر بها عمق النفس الانسانية بعدها العملي في الشعور، وتمكّنها من الضمير، وتجدُّ في بناء الموقف عليها (أفلا تتقون)، (فماذا بعد الحقّ إلاّ الضلال فأنّى تصرفون)، (أفلا تذكّرون) فلابدّ من المعرفة التي تفجّر روح التقوى الدافعة والرادعة، ولا تحيد بصاحبها عن مراقبة اللّه في كل حركة وسكون، وتملؤه بذكر ربِّه الذي لا غنى له عنه، ولا يجد متحولاً غيره، فيخافه ويرجوه، ويشغله بجماله عن غيره. فتكون مواقفه كلّها طلباً لرضاه وتجنباً لسخطه.

ب ـ الحماية النفسيَّة:

يحاول الطاغية ما استطاع ومعه وسائله الاعلامية، وأبواقه الدعائية غزو النفوس، مستهدفاً أن ترى ذاتها صغيرة ضعيفة حقيرة، وأن تراه قويّاً كبيراً، على عظمة لا تُطال، وعزة لا تُقهر. ذلك ما يكسبه رادعاً من داخلها عن المقاومة، وقناعة باليأس من جدوى المواجهة، ورضى بالواقع الذليل، والمنزلة المهينة.
إذاً لابدّ من حماية نفسية من هذا الغزو، لاعطاء الانسان فرصة الخيار الصحيح، وأن يرى الاشياء على واقعها، من غير تأثير الجو النفسي المكذوب.
ومما يوفّر هذه الحماية:

1 ـ اسقاط هيبة الطاغوت:

(والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون)[4]. (إن الذين تدعون من دون اللّه عبادٌ أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين)[5].
(أيبتغون عندهم العزَّة فإن العزة للّه جميعاً)[6].
(مثل الذين اتّخذوا من دون اللّه أولياء كمثل العنكبوت اتّخذت بيتاً وإنَّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون * إن اللّه يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم)[7].
هيبة الطاغوت تقوم على الكذب والتزوير واللغة الاعلاميَّة المضلّلة، وهيبته المصطنعة هي التي تمكّن له في النفوس، وهي التي تسهل له أن يعبد. وعندما يعرى، ويكشف الغطاء عن بشريته الموهونة، ومحدوديته الخانقة، وعجزه الذاتي، وعندما تسلّط الاضواء على عبوديته في التكوين، ومنشئه من الطين، وعلى بدايته ونهايته ومحكومية حياته ووجوده، وأنه عبدٌ يعرضه المرض، ويلمُّ به الالم، ويملكه الهم، ويدهمه العدو، وتأتي عليه الشيخوخة، وتنزل به النوازل، وتقصم ظهره القواصم، عندما تكون هذه التعرية وهذا الكشف لما لا لبسَ فيه، ولا ريب يعتريه، بعد أن تسقط سُتُر الوهم الداخلة على النفس من التهويل، ويلفت النظر المصروف بالتضليل، فأي هيبة تبقى للعملاق المكذوب والربّ الزور، في قبال الاله الحقّ، والربِّ المطلق؟!

2 ـ تقديم رؤية واقعية للدُّنيا:

(وابتغ فيما آتاك اللّهُ الدار الاخرة ولا تنس نصيبك من الدّنيا وأحسن كما أحسنَ اللّه إليكَ ولا تبغِ الفسادَ في الارض إن اللّه لا يحب المفسدين)[8].
(كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحلَّ عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى)[9].
(قل من حرَّم زينةَ اللّهِ التي أخرجَ لعبادهِ والطيِّباتِ من الرزق....)[10].
(هو الذي جعل لكم الارض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور)[11].
يرى الطاغوت وقد توفّر على القسط الاكبر من خيرات الامَّة وثرواتها سرقة واغتصاباً، وملك من فرصها ما ملك امتحاناً واستدراجاً، أن الدنيا بيده ورقة رابحة، يستعملها ترغيباً وترهيباً، ليبقى السيد المطلق، والربَّ المرغوب إليه، المرهوب منه، فتخرّ له الجباه ساجدة، والانوف متمرّغة، ويكون التذلّل والاندكاك.
وكلّما كبرت الدُّنيا وصغرت الاخرة عند الناس، كلّما سهل على الطاغية أن يملك القلوب، ويستولي على النفوس. لذلك لا يزال يريهم الدنيا كل شيء، وأنها لا تنال إلاّ عن طريقه، فإذا ظهرت الدّنيا على حقيقتها، والطاغوت بواقعه; ذهب سحره، وسقط ما في يده.
والايات الكريمة تقدّم رؤية متكاملة عن الدُّنيا، لها وجوه أتى تعدّدها من تعدّد الحيثية في النظر.
فقد ينظر إلى الدنيا في مقابل الاخرة، وحيث تقدم عليها، وتتّخذ هدفاً من دونها، فهي على هذا خيال عابر، وسراب خادع. الدنيا إذا قيست بالاخرة وزناً وجدتها شيئاً تافهاً محترقاً، والانكباب عليها مستعقب سوءاً، ومستتبع خسارة. إنها كذلك آئلة بأهلها إلى شقاء مقيم، وعذاب أليم، وندامة لازمة. وهي التي قال الحديث عنها مجاراة للاية الثانية: إنها تغرُّ وتمرُّ وتضرّ. نعم حين تؤخذ بما هي في نفسها، وتكون مطلوبة لذاتها لا يبقى لها مضمون كبير، ولا معنى جاد فيما تعامل معها أهلها به. فلا تكون كذلك إلاّ لهواً ولعباً، ولا تستتبع إلاّ خسراناً وحسرة، وتفويتاً للاخرة بما هي الحياة الغزيرة المركَّزة الدَّفاقة الراقية الكريمة. وهذا النظر هو ما يظهر الالتفات إليه من الايتين الاُوليين.
وقد ينظر إلى الدُّنيا بما هي مأكل ومشرب وملبس، معه مسكن ومركب ومنكح; من حيث أنها أشياء فيها نفع البدن ولذّته، من دون مقايسة لها بالاخرة، والحكم لهذه أو تلك بالتقديم أو التأخير. وهي كذلك داخلة في مثل قوله عزَّ من قائل: (قل من حَّرم زينة اللّه....)، وقوله سبحانه: (كلوا من طيبات ما رزقناكم....) وهذه الاية الاخيرة في تتمّتها: (ولا تطغوا فيه فيحلّ عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى) تحذّر من فصل هذه النعم عن دورها، واسقاط وظيفتها في إعمار الافئدة والارواح، وعن الانحراف بالدّنيا بالجمع لها، وأن ينسى شكر الرب بما آتى العبد منها، وأن يستعمل استعلاء، ويوظف للاستكبار، وأن يكون للمعصية ومواجهة المنعم سبحانه.
والنظر الثالث للدنيا يأخذها وصلة للاخرة، وعوناً عليها، يبني بها العبد نفسه، ويسخّرها لكماله; بأن يعبد بها ربه، ويطلب قربه. يتوفر على ما يتوفّر منها دفعاً لضروراته، وسدّاً لحاجاته، حتى لا تشلّه هذه الحاجات عن الحركة، ولا تقعد به عن الغاية، ويطلب من قدراتها ما يشدُّ به أزرَ إخوانه، ومن يعنيه أمره، ويخفّف به من معاناة المجتمع المؤمن، ويكشف كروبه. إنه يطلب الدنيا، يبني بها عقولاً، ويقوِّم نفوساً، ويصحّح مسار الاخلاق، ويرفع التناقضات; كل ذلك امتثالاً لامر ربِّه، وطمعاً في مرضاته.
هذا النظر الذي يذهب لتوظيف دقائق الحياة وثوانيها، وزراعتها وصناعتها، وعمارتها وخيرها، وتقدّمها من أجل الانسان، ليأتي عابداً كاملاً، ومن أجل مستقبله ليلتقيه سعيداً ناعماً، ليكون الهانئ بحياته، المسرور في مماته.
هذا النظر الذي يرتفع بقيمة الدنيا، ويجعل قيمة الاخرة بالنسبة للانسان من قيمة دوره في الاُولى، هو النظر الذي يشدُّ الاسلام إليه الانسان، وتؤكّد عليه تربيته القويمة (وابتغ فيما آتاك اللّه الدَّار الاخرة ولا تنسَ نصيبَك من الدنيا...).
فالاية تعطي أولاً: أن الدنيا غايتها الاخرة، ثم إنه إذا كانت الاخرة هي الغاية الكبرى للدنيا وهي ما يمكن أن تتمخّض عنه من خير وعطاء، إذاً النصيب منها ما يكون ربحاً في الاخرة. والاخرة كما تربح بالصوم والصلاة تُربح بطلب المال والزوج والولد والمركب والقوة أسباباً يستعان بها على الطاعة، وتجنّب المعصية، ويكون لها دورها الهادف في إقامة الحق وإماتة الباطل.
الدنيا تُطلب لتوضع في مرضاة اللّه، وخدمة دينه وأوليائه; تكون مزرعة الاخرة. أما الدنيا التلف فما كانت للترف والبذخ والسرف. والدنيا المنتهية للهوان ما كانت للاستعلاء والعدوان.
ونلتقي الدنيا بهذا المنظور الجامع بين الايجابيَّة الجادَّة، والاخلاقيَّة الرفيعة في قوله تعالى: (هو الذي جعل لكم الارض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) كما التقيناه في الاية السابقة. فالحركة المفتوحة على الارض كلها، والتمتّع المأذون به بخيرات رزقها، موصولان بهذا التذييل (وإليه النشور )ربطاً لهما بما يعطيهما الوظيفة الرساليَّة الخلقية الكريمة من الاسهام في بناء الحياة الايمانيّة الرشيدة، والانسانية المجيدة، وهو الدور الذي يحاسب عليه يوم النشور، ويجازي به الربُّ الشكور.
الدنيا قد تؤخذ بهذا النظر أو ذاك مما تقدم، والطاغية يهمّه أن يكون النظر إليها النظر البهيمي الذي يقف بها عن غايتها، وينتهي بها عند حد الشهوة، ومستوى المتعة. ويهمّه أن يكبر عقل الانسان وضميره، فيكبر هو بما في يده منها كل شيء في نفوس الاخرين وتفكيرهم وسعيهم. على أن هذا الذي يحاول أن يملك على الاخرين نفوسهم به من الدنيا هو لهم، استحوذ عليه منهم سرقة وغصباً وانتهاباً، ومكراً وتحايلاً واختلاساً.
ويسوؤه الفهم الصحيح للدنيا; لانه يسقط قيمته وقيمة الدنيا التي بيده، ويعدُّ الطاغية عقبة في طريق الدور اللائق بالحياة، وعدوّاً للهدف الكبير الذي جاء من أجله الانسان، وكانت من أجله الدنيا.
وإذا صحَّ فهم النَّاس للدنيا، وأخذت دورها الرسالي في نفوسهم، أوصد الباب على الطاغيَّة أن يغزوهم نفسيّاً من طريقها; مغرياً بها، ومتهدداً عليها. وحماهم فهمهم من أن يعطوا يد الذلة له، لما في يده منها، ولما يلوِّح به من بذلها أو منعها. إنَّ فرعون طاغية الطواغيت بعد أن هدَّد السحرة في حياتهم أصلاً، وتوعّدهم بالتعذيب والقتل: (... فلاقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف ولاصلّبنكم في جذوع النخل...)[12] جاءه جوابهم ـ وقد أفاقت نفوسهم على معرفتها بربها الكريم، وتحرّكت في اتجاه اللّه رفرافةً شفّافةً، فتفهت الدنيا في غضب اللّه عندهم، بل صارت مخيفة موحشة، وجيفة منتنة ـ جاءه صفعة في وجهه، قويّاً حاسماً جازماً، بلا تردّد، لا يعطي منفذاً لمداورة، ولا أملاً في مساومة. جاء مستخفاً بدنيا فرعون، وبالحياة كلّها في سبيل اللّه (قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقضِ ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا)[13].

3 ـ إبراز الكرامة الانسانية:

(وإذ قال ربُّك للملائكة إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون * فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)[14].
(وإذ قال ربُّك للملائكة إني جاعل في الارض خليفةً قالوا أتجعلُ فيها من يُفسد فيها ويَسفكُ الدماء ونحن نسبّحُ بحمدك ونقدّسُ لك...)[15].
(ولقد كرَّمنا بني آدم وحملناهم في البّرِ والبحرِ ورزقناهم من الطيباتِ وفضّلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلاً)[16].
الانسان الرخيص في نظر نفسه، الساقط في تقديره، مستعدّ لان يقدم من نفسه سلعة بأتفه الاثمان، وأن يدخل في أخس الصفقات، وأن يتولّى أحطّ الافراد والجهات.
وإذا ارتفع وزن الانسان عنده، ورأى شرفه وكرامته، والقِمّة العالية التي يمكن أن تحققها حياته; تأبى جزماً على المساومات الرخيصة، والصفقات الذليلة. وكلّ ما عدا البيعة للّه ولاوليائه بيعة ذليلة، وصفقة مهينة، وتجارة ساقطة بائرة. لا يمكن أن تقع موقع الرضا من نفس آمنت بربِّها، وعرفت كرامتها، وسموّ دورها.
فتأجيج الشعور عند النَّاس بمنزلتهم لدى اللّه سبحانه، والدور الكبير الذي هُيّئوا له، والمستوى الرفيع الذي أريد لهم خلقة وتشريعاً، والدرجة الكبيرة التي تنتظرهم إذا قدَّروا لانفسهم وزنها، ووضعوها موضعها، ولم يبيعوها خاسرة في صفقات العبيد; تأجيج هذا الشعور في نفوس النَّاس، يربأ بهم بعيداً جدّاً عن التنزّل لمساومات الطواغيت، والنزول عند توعداتهم للدخول في البيعة وإعطاء يد الذلّة.
والايات الكريمة المتقدمة تغني الانسان شعوراً بالعزّة باللّه، والكرامة من فضله. كيف ومنه من يبلغ من درجات القربِ وعّزِ الطاعة للّه بأن يُسجدَ له اللّه ملائكته؟ انظر من الساجد ومن المُسجِد!!. كيف وقد أودع اللّه فيه نفخة الروح؟ التي إذا لم تحجب النفس عن إشعاعاتها وإمداداتها وإلهاماتها ووحيها جاءت طهوراً متألقة جميلة، فكراً وشعوراً وعملاً. جاءت وجوداً حيّاً طليقا مستهديا، يستضيء في كل مواقفه بنور اللّه، ويعبُّ من عطاءات جماله وكماله.
هذا هو الانسان في ذاته كما خلقه بارئه; كبير في مواهبه، عظيم في قابلياته واستعداداته. وهو كبير كذلك في دوره ومسؤوليته، فليس اعتباطاً أن تطرح الملائكة تساؤلها (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك). هذا التساؤل وراءه علم بدور الاصلاح والاعمار الذي ينتظر الانسان في تجربته على الارض، وأن يكون دوراً عابداً للّه تبارك وتعالى يزخر تسبيحاً وتقديساً للّه في الكلمة والموقف وفي كل أبعاد النشاط الذي هُيّئ له الانسان، ونقطة المفارقة في فهم الملائكة ـ وقد علموا شيئاً وغابت عنهم أشياء ـ هو هذا الواقع من الممارسة التي تنطلق من روح العدوان والتدمير (من يفسد فيها ويسفك الدماء) وذلك الدور الكبير والمهمة الضخمة التي اُريد الانسان لها على ما بينهما من تباين، حيث يكون على الانسان ان ينطلق من روح المحبَّة والاعمار.
أي انسان يتركّز في وعيه أنه ذلك المضمون الانساني الكبير من عطاء اللّه، المهيّأ لان تنفتح روحه في اتصال مستلهم مسترفد دائم على جلال اللّه وكماله، وأن يكون له من سمو المعنى وجمال الوجود وعذوبة الحياة واشراق القلب المسترفد ما يشعره بالرضا المتصل، والغنى المستمر، والقوة الثابتة، أي انسان يحصل له ذلك، ثم يقبل أن ينحدر، وأن يسفَّ، وأن يدخل في بيعة الطاغوت، ليذبل ويذوي، وليموت ويشقى؟!
وأيّ انسان يغنى شعوراً بأن دوره دور الخلافة في الارض، الدور الذي يعني أن يصوغ فعليّات الذات وينمّيها، ويأتي بها قوَّية زكيَّة، صاعدة إلى اللّه، من صنع منهجه القويم، وعطاء دينه الحنيف، وأن يصوغ ما استطاع ذواتاً أخرى، وأوضاع الحياة كلها على الخط نفسه، وبالمنهج ذاته، لتأتي الحياة بمن فيها وما فيها أكثر تقدماً وزكاة وطهراً وعبقاً، وأكثر قيمة وقوة وعطاء ونفعاً؟ أي انسان يغنى بهذا الشعور، ويفيض بهذا الاحساس، ويعي أنه ممن فضَّلهم اللّه على كثير ممن خلق تفضيلاً ثم تحدِّثه نفسه بأن يكون عبداً لطاغية، مطيَّة المقاصد الساقطة، والمرامي الخبيثة، ومعبر النزوات والشهوات؟!
إن النفس لتستعلي في ظل شعورها بالانتماء العبودي للّه تبارك وتعالى، وإيمانها بالقيمة العالية التي منحها إياها، والدور الضخم الذي أعدّها له، والموقع الكبير الذي بوّأها إياه; تستعلي وتستعلي جدّاً على أن تكون صيداً سهلاً لطاغوت، أو أن تكون في موقف يُطمع أحداً من أهل الدنيا والجبروت في ان تذلّ له، أو يجد لولائها له سبيلاً.

4 ـ إبراز موقعية المؤمن:

(هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملَّة أبيكم إبراهيم هو سمَّاكم المسلمين من قبلُ وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على النَّاس...)[17].
(وكذلك جعلناكم أمَّة وسطاً لتكونوا شهداءَ على النَّاس ويكون الرسولُ عليكم شهيداً)[18].
(كنتم خيرَ أمة اُخرجت للناسِ تأمرون بالمعروفِ وتنهونَ عن المنكرِ وتؤمنون باللّهِ...)[19].
الانسان بعمومه مهيّأ لان يكون كبيراً بربه، عظيماً بتعلّقه به، وخضوعه إليه، والمؤمن كبير فعلاً من فضل ربِّه، وعظيم حقّاً بعد أن جاهد نفسه على طريقه، وانشدّ قلبه إليه، ومضى يستهدي بتعاليم دينه، ويسترشد بأحكام شريعته في بناء أوضاع داخله وخارجه، وتتبوّأ الامة المسلمة المؤمنة مكانة في النّاس تجعلها أعزّ وأغلى من على الارض من بني الانسان، بما تملك من هدى اللّه، ومن كنوز وحيه، ومن قدوات صالحة فريدة من بين قدوات الامم ليس مثلها إيماناً مشعّاً، وعلماً صادقاً، وشعوراً زكيّاً، وإرادة خيرة قوية، وحكمة سديدة رشيدة، وخطى منتجة مخلصة. ليس على ما هي عليه أحد في الارض استجابة طيّعة واعية لشرع اللّه في أمره ونهيه، وهمّاً كبيراً في صلاح الارض وأهلها، ورشد الحياة وأبنائها، وسلامة الاوضاع وتقدمها.
حمّلت هذه الامة أن تكون شاهدة على النَّاس، ولا يمتنع أن يكون مع الشهود الكمّل منها وعلى الاطلاق شهود آخرون على مستويات متفاوفة من مساحة السلوك الفردي والاجتماعي، وأن يكون من هؤلاء الاخرين الافراد والجماعات كذلك. وللرسول(صلى الله عليه وآله) الشهادة على كل شاهد في النَّاس، بما هو المثل الاعلى من بينهم أجمع.
هذه الامة مكلَّفة بأن تكون على علم عاصم من الجهل، وحكمة مانعة من السفه، وصدق حائل عن الكذب، وعدل حاجز عن الظلم; لتكون رائدة ومعلّمة وهادية وشاهدة على كل الامم. كلّفت بأن تتوفّر على مقوّمات الاستقامة، وأسباب القوة التي تؤهّلها لان تأمر بالمعروف فيسمع أمرها، وتنهى عن المنكر فيستجاب لها، أمراً ونهياً يشمل كل مساحة الحياة، ويردُّها إلى طريقها القويم، فتكون القويمة المتقدمة. وهذا دور كتب عليها أن تمارسه في داخلها، وعلى مستوى أبنائها، كما كتب عليها أن تنهض به في إطار سائر الامم; فهي امةٌ اُخرجت للنّاس; لهدايتهم وصلاحهم وتقدّمهم وسعادتهم.
هذه الموقعية المتقدمة حين يتعزّز الشعور بها في نفوس المؤمنين، تدفع بمعنوياتهم إلى الامام، وتمدّهم بالعزَّة المتجذّرة والكرامة الفائقة الضاربة، وتحمي مجتمع الايمان من أن يقبل السقوط تحت أشدّ الضغوط، وأن يستجيب للاغواء وإن عظم الاغراء.
وهي موقعيَّة عندما يكون التركيز عليها عامّاً ومكثَّفاً، تستلفت النظر العام المسلم على المستويات المختلفة عن حياة الدُّون، ومواطن الاسفاف، ومواقع العبث، ومفاتن اللذّة الرخيصة، والشهوة العابرة، وعن مستمسكات حياة الابدان على حساب المعنويات الكبيرة، وتعطيه تطلّعاً جديداً ممتداً لا يقتنع معه المسلم إلاّ أن يكون من أهل هذه المكانة، دون أن يتمادى في نسيان الذات في إشعاعاتها وإشراقاتها وهداياتها الغزيرة، وأن يذوب في الغير من كل من حقر وتفه.
هذه الموقعيَّة القرآنيَّة العالية إذا ثبتت وتأكّدت في صفوف المؤمنين والمسلمين عامَّة; انعكس ذلك باليأس والاحباط في نفوس الطغاة وأجهزتهم الاعلاميَّة في كل مكان.
لقد أعطى الكتاب الكريم عناية فائقة لابقاء شعلة النُّور وقّادة في نفس الانسان، ومدّه بتصور إيماني متكامل، ملفتاً إيّاه إلى نفسه في نظرة قويمة كريمة، وتثمين كبير دافع، لا يحابي ولا يغرِّر، ولا يهمل مواطن الضعف والقصور، ومآتي البشر ومداخل الفساد. وكرَّس في نفس المؤمن شعوراً غزيراً وثقة كبيرة بانتمائه، واحتراماً عميقاً لدوره، وإكباراً لوظيفته، وإيماناً بالغاً بعظمة مستقبله. وعرَّى الطاغية في ذاته، وفي حاضره ومستقبله، ووضعه في الموضع الذي لا يُفتتن منه به، ولا يربط أحد مصيره بنهايته.
وهذه الحماية والتحصين من الكتاب الكريم إذا تتبّعنا السنّة المطهرة وجدنا منها نشاطاً متواصلاً وتركيزاً في مجالهما، وهي تستهدي الكتاب، وتنعكس على قلب الانسان بإشعاعه وإضاءاته. وإنك واجد أن المضمون القرآني يطالعك على لسان أكثر من معصوم، كما نلقاه أكثر من مرة على لسان المعصوم الواحد في أكثر من عَرض، وأكثر من صورة، وفي تطبيقات وتشقيقات تتعدّد بتعدّد المناسبات، وتتلون وتختلف باختلاف خصوصيات الموقف ومقتضيات الحال. ذلك في نظم وتناسق يجعل العروض والصور متناصرة متوافية، تأخذك كلاًّ إلى النتيجة المطلوبة. وهذا التنويع في العرض والابداع في الصور يلتفت إلى أن النفوس البشرية تختلف في خصوصياتها مع ما هي عليه من تلاقيات رئيسة; فنفس تستلفتها صورة، وثانية تستلفتها أخرى، وهذه تستوقَفُ لنغم، وتلك لاخر.
وهذا يعني أن الحماية الفكرية والنفسية من تأثيرات الطاغوت; إعلامه وخططه التي يُعنى بها الكتاب العزيز، والسنّة المنصورة ينبغي أن يركّز عليها، ويثار الاهتمام بها، ويشدّد على اللفتات المقصودة لها، وأن تطرح قضاياها ومضامينها بكل أشكال العرض الراقي والتصوير الفني المتنوّع، وأن يستهدي بكلّياتها الثابتة للتعرّف على الجزئيات والتفاصيل التي تتناسب ومعركة الحاضر، ويستوحي منها الجديد من القضايا والاثارات الخاصة، التي تستجيب لمواجهة المتجدّد من خداع الطغاة وسحر أجهزتهم. وأن تأتي الاساليب وأدوات المعركة متقدمة كما هي كذلك عند الطرف الاخر.

ج ـ الحماية المعيشيَّة:

(وفي أموالهم حق للسائل والمحروم)[20].
(يا أيها الذين آمنوا هل أدلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون باللّهِ ورسوله وتجاهدون في سبيل اللّهِ بأموالكم وأنفسكم ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون)[21].
من أحدّ أسلحة الطاغوت، وأمكن وسائله في النيل من نفوس النّاس، واستغفال قلوبهم، وإسقاط إرادتهم، والتسليم له بالطاعة، وإعطائه يد الذلّة، والقبول في الدخول في ولايته وعبادته، هو الدنيا العريضة بيده.
(وقال موسى ربنا إنَّك آتيت فرعون وملاه زينة وأموالاً في الحياة الدُّنيا ربَّنا ليضلّوا عن سبيلك ربَّنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم...)[22].
الجهاد بالمال كان في عرض واحد مع الجهاد بالسيف، بل دخل المعركة قبله; معركة الاسلام مع الكفر. وما لم يدخل المال ساحة الصراع بين خط الرسل وخط الطاغوت بمستوى جادّ من قبل المؤمنين القادرين فإن المفتونين بدنيا الطاغوت إلى زيادة تحت ضغط التجويع والحرمان.
ومعالجة الموضوع على مستوى الصدقات الفردية والتبرّعات الاتفاقية للمحسنين لا يمثّل حلاًّ مجزياً. بل إن التعامل مع الشاب المفتول العضل، المملوء حيوية ونشاطاً، والمحارَب في لقمة عيشه من أجل دينه، بعنوان أنه مسكين لابدّ من انقاذه ولو بشيء من أوساخ النَّاس بما تقدمه أيديهم منّاً وتعالياً، أو بدافع الخجل والاحراج، التعامل معه كذلك ربما يبعده عن دين اللّه أكثر مما يقرِّبه. المعالجة تتطلب مشاريع اقتصادية ضخمة، وفتحاً لفرص العمل ما أمكن، والتمويل المباشر عند الضرورة بعنوان من العناوين اللائقة التي لا تنال من المعنويات، ولا تربي في النَّاس روح البطالة. وأن تكون كلمة مجمعة جازمة وحاسمة تطالب بفكِّ الارتباط بين إتاحة فرص العمل والولاء للانظمة الحاكمة يدعمها السعي الحثيث والمحاولات المستمرة.

د ـ الحماية الامنيَّة:

(وما لكم لا تقاتلون في سبيل اللّه والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالمِ أهلُها واجعل لنا من لدنك وليّاً واجعل لنا من لدنك نصيراً)[23].
التهديد في النفس بالتصفية النهائية أو السجن والتعذيب، والطرد والتشريد، اُسلوب الطغاة كلّ الطغاة أمس واليوم. وقد طفح كيل ظاهرة القتل والتعذيب، والسجن والتشريد، والملاحقات في طول الساحة الاسلامية بل العالمية وعرضها، مطاردةً للظاهرة الايمانيَّة المنبعثة المتنامية. وأمر هذه الاجراءات لا يتوقّف في الكثير من بلاد عالمنا الاسلامي، على وجود مؤمن يبدي تحدّياً، ويتصدّى للمواجهة; إذ يكفي أن يوجد مؤمن يحاول أن يفهم دينه، ويقدّم فهمه للاخرين على حدِّ ما تتمتّع به كل التيارات الدخيلة والمنكفئة اجتماعياً من التعبير عن وجهة نظرها، بل ما هو أقل مما عليه الدخلاء وأبواق الفكر الغريب والمشوَّه من هذا القدر من إتاحة الفرصة، بل يكفي أن يداوم شاب على دخول المسجد يصلّي جماعة إن لم يكن مفرداً، أو أن يرسل اللحية شيئاً ما، ويبدي اهتماماً بالكتاب الاسلامي; يكفي هذا وشيء من هذا للحرمان والاستجواب والمطاردة وحتى السجن والتعذيب، وما هو أكثر.
والمسألة ليست مسألة ظروف أمنية عابرة، بل هي مسألة مواجهة مستمرّة من لغة الغاب والظفر والناب لوضعية حضارية نابعة من قلب الحياة، وشغاف الوجود، وضمير الفطرة، وصيغة حياتية مبدئية يعيشها ضمير الاُمة ويتفجّر بها شعورها، وتحسّ من خلالها بطعم انتمائها وأصالتها ومعنويتها.
والمجتمع الاسلامي الذي لا يحمي القضية الدينية وشعلة الايمان في أبنائه، معرَّض للذوبان والتغريب الكامل، إذا طال صمته، واستمرّ على سلبيته العملية، مستأنساً لعمليات التبرير من هنا وهناك، ليوفّق بين إيمانه بإسلامه، وشعوره بقيمة قضيته، وبين حرصه على دنياه وسلامته، أو معرّض إلى أحداث مزلزلة باهظة التكاليف إذا جاءت متأخّرة صحوة العقل، واليقظة الشديدة للضمير، وتَنَبُّهُ الارادة الفائرة مما لا يقبل التبرير، ولا يأنس إلى التزوير.
الانكار المبكّر الواسع والمركَّز والمتصل في أي جزء من أجزاء الوطن الاسلامي الكبير وبما هو دون المقاتلة، يعطي من النتائج الايجابية، والثمرات الضخمة ما قد لا يعطيه العنف، والتضحيات السخيَّة، وسيول الدماء، مما قد تجد المجتمعات نفسها مضطرة إليه أو أنه قد فرض عليها عملاً بعد وقت.
لقد نقل الكفر منذ بعيد معركته مع الاسلام إلى داخل البلاد الاسلامية، وعلى يد عملائه ووكلائه ممن ينتسبون للاُمة اسماً، ويناصبونها العداء روحاً وحقيقة; فالاسلام في بلاده محتاج إلى التأمين والحماية على يد جموع الاُمة وجماهيرها من اغتياله من الكثير الكثير من منفّذي المخطط الاجنبي في القضاء على الاسلام سرّاً، والفتك به علانية وجهراً.
وحماية الاسلام لا تنفصل عن حماية الفئة الطليعية في الاُمة التي تأخذ على عاتقها بيان حقائقه وتوضيح مفاهيمه وتركيز تعاليمه، ودرء الشبهات عنه، وتبرز تناقضات الواقع ومفارقاته لاسلام الاُمة ومصالحها، وما يسبّبه من مأساة الحاضر وفجائع المستقبل، وما يستهدفه من تذويب وتعريب.
ثم هي لا تنفصل عن التماسك الشديد في الصفوف الطليعيّة من علماء الامة ومثقّفيها المؤمنين. فلا يكاد أحد يصدق في العمل للاسلام وهو لا يعرف لهذا التماسك قيمته; فلا يرعاها عملاً، ولا يغمض على القذى من أجلها ورعاً. ولا يتجرع الغصص من إخوانه تقديراً لمصلحة الاسلام، وتقديماً لمستقبل الايمان.
ولا تتم الحماية للاسلام إلاّ من أمة الاسلام; من جماهيرها وطلائعها وعلمائها حتى لا تهون مؤاخذة امرئ مسلم في بلاد الاسلام لصلاته ونسكه، وتمسّكه بتعاليم الدين وأحكام الشريعة، ولا يُسكت على أذاه لقول حقّ وإنكار ظلم.
من أجل أن يمكّن لعبادة اللّه في الارض وأن لا يكون الارباب من دون اللّه على مطمع كبير في تعبيد الناس لهم، لابدّ من أن تأمن سبلُ اللّه من قطّاع الطرق على النَّاس إلى بارئهم. وهي مسؤولية الامَّة المؤمنة والمسلمة في قطّاعاتها العامة وطلائعها الخاصة. ولا ينقص الامة شيء في هذا السبيل في أي قطر من أقطارها أكثر من تلاقي الرأي عملاً، على ما هو محل اجماعه نظراً، وتلاقي الجهود فعلاً، على ما تلاقت عليه الانظار من هذا الامر كملاً.

هوامیش:

([1]) النحل : 36.
([2]) يونس : 31 ـ 32.
([3]) المؤمنون: 84 ـ 88 .
([4]) الاعراف: 197.
([5]) الاعراف: 194.
([6]) النساء: 139.
([7]) العنكبوت: 41 ـ 42.
([8]) القصص: 77.
([9]) طه: 81 .
([10]) الاعراف: 32.
([11]) الملك: 15.
([12]) طه: 71.
([13]) طه: 72.
([14]) الحجر: 29.
([15]) البقرة: 30.
([16]) الاسراء: 70.
([17]) الحج: 78.
([18]) البقرة: 143.
([19]) آل عمران: 110.
([20]) الذاريات: 19.
([21]) الصف: 10 ـ 11.
([22]) يونس: 88 .
([23]) النساء: 75.



CopyRight © maarefquran.org
info@maarefquran.org